الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
117
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
ثم ماتت فاطمة فجاءت نساء النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم كلّهن إلى بني هاشم في العزاء إلّا عائشة ، فإنّها لم تأت أظهرت مرضا ، ونقل إلى عليّ عليه السّلام عنها كلام يدلّ على السرور ، ثم بايع عليّ أباها فسرّت بذلك وأظهرت من الاستبشار بتمام البيعة واستقرار الخلافة وبطلان منازعة الخصم ما قد نقله الناقلون فأكثروا ، واستمرت الأمور على هذه مدّة خلافة أبيها ، وخلافة عمر وعثمان ، والقلوب تغلي ، والأحقاد تذيب الحجارة ، وكلّما طال الزمان على عليّ عليه السّلام تضاعفت همومه وغمومه ، وباح بما في نفسه إلى أن قتل عثمان - وقد كانت عائشة أشدّ النّاس عليه تأليبا وتحريضا - فقالت : أبعده اللّه ، لمّا سمعت قتله وأملت أن تكون الخلافة في طلحة فيعود الأمر تيميّة ، كما كانت أوّلا ، فعدل النّاس عنه إلى عليّ عليه السّلام ، فلمّا سمعت ذلك صرخت : واعثماناه قتل عثمان مظلوما فثار ما في الأنفس حتّى تولّد من ذلك يوم الجمل وما بعده . قال ابن أبي الحديد : وهذه خلاصة كلام اللمعاني وكان شديدا في الاعتزال ( 1 ) . وأقول : أمّا قول : ( إنّ ابنة الرجل إذا ماتت امّها . . . ففيه أنّ فاطمة التي قال أبوها أنّها سيدة نساء العالمين وعديلة مريم وينادي المنادي في مرورها بالموقف : غضّوا أبصاركم حتّى تمرّ ، وإنّ إنكاحها عليّا عليه السّلام كان بعد إنكاح اللّه تعالى بشهادة ملائكته - ويؤذيه ما يؤذيها - وما ينطق أبوها عن الهوى - أجلّ من ذلك ، ولم لم يحدث بينها وبين باقي نساء أبيها من أم سلمة وغيرها كدر وشنآن ، وكلّهن كنّ كالضرائر لامّها وفي ( الطبريّ ) : لا خلاف بين جميع أهل العلم أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم بنى بسودة قبل عائشة ( 2 ) . فيعلم أنّ شنآنها لتلك المرأة ولصاحبتها لكونهما
--> ( 1 ) المصدر نفسه 9 : 198 - 199 . ( 2 ) تاريخ الطبري 3 : 161 ، سنة 10 .